الشيخ محمد رشيد رضا
97
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
* * * فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ أي يعطيهم أجورهم على إيمانهم وعملهم الصالح وافية تامة كما يستحقون بحسب سنته تعالى في ترتيب الجزاء على تأثير الايمان والعمل في النفس ، ويزيدهم عليه من محض فضله وجوده من عشرة أضعاف إلى سبع مئة ضعف - إلى ما شاء ( وتقدم الكلام في المضاعفة في تفسير سورة البقرة ) وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذاباً أَلِيماً أي فيعذبهم عذابا مؤلما كما يستحقون بحسب سنته تعالى أيضا ، ولكن لا يزيدهم على ما يستحقون شيئا ، لان الرحمة سبقت الغضب ، فهو تعالى يجازي المحسن بالعدل والفضل ، ويجازي المسيئ بالعدل فقط وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً أي ولا يجدون لهم من غير اللّه تعالى وليا يتولى شيئا من أمرهم يوم الجزاء والحساب ، ولا نصيرا ينصرهم فيدفع عنهم العذاب ، ( يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ ) ومن مباحث اللفظ والاعراب في الآية افراد فعل يستنكف وما عطف عليه مراعاة لفظ « من » وجمع فعل فسيحشرهم مراعاة لمعناها فإنها من صيغ العموم ( ومنها ) مسألة مطابقة التفصيل في هذه الآية للمفصل المذكور بصيغة العموم في آخر الآية التي قبلها . قال بعضهم ان التفصيل للمجازاة لا للمحشورين المجزيين فلا حاجة إلى المطابقة وذلك ان الجزاء لازم للحشر فبينه عقبه ، واختار هذا البيضاوي ورده السعد . وقال الزمخشري هو مثل قولك جمع الامام الخوارج فمن لم يخرج عليه كساه وحمله ( أي أعطاه ما يركبه ) ومن خرج نكل به . وصحة ذلك لوجهين ( أحدهما ) أن يحذف أحد الفريقين لدلالة الآخر عليه ، ولأن ذكر أحدهما يدل على ذكر الثاني ، كما حذف أحدهما في التفصيل في قوله عقيب هذا « فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ » ( والثاني ) هو ان الاحسان إلى غيرهم مما يغمهم فكان داخلا في جملة التنكيل بهم . فكأنه قيل ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيعذب بالحسرة إذا رأى أجور العاملين ، وبما يصيبه من عذاب اللّه اه أقول وقد يدل على حشر المستنكفين مع غيرهم قوله تعالى ( جَمِيعاً ) كما أشرنا اليه . وثم « تفسير القرآن » « 13 » « الجزء السادس »